"إنتي جايّه تشتغلي إيه؟!"
الخط
شارك

"إنتي جايّه تشتغلي إيه؟!"

2022/03/29
عدد الزيارات

على وقع صرخات نساء مصر التي ملأت (مؤخرا) فضاء العالم الافتراضي؛ بسبب الغلاء الفاحش في أسعار السلع الأساسية، وعجزهن عن توفير أقل القليل من ضرورات الحياة لأطفالهن، أقام السيسي حفلا لـ"تكريم" المرأة المصرية، يوم 23 آذار/ مارس الجاري، وجّه فيه كلمة إلى النساء اللواتي اختارتهن أجهزته الأمنية بعناية، بأداء مضطرب، وصياغة ركيكة، كعادته في كل خطاباته التي لا ترقى إلى مستوى مواضيع "التعبير" التي كنا نكتبها في المرحلة الإعدادية..

"ست البيت المصرية ساعدت في نجاح البرنامج الاقتصادي"!.. السيسي يتحدث عن نجاح لا يراه سواه!.. أما ست البيت المصرية، فلا ترى سوى الفاقة والعَوَز، وتعيش عيشة هباب (كما يقول المصريون) تدفعها دفعا إلى تمني الموت ولو بصدمة سيارة، كما جاء على لسان سيدة مصرية حين وصفت طبيعة الحياة التي يحياها المصريون في ظل سلطة الانقلاب، وصفا تتقطع له نياط القلوب:

".. أنا روحت النهارده أجيب [أشتري] شوية خضار، ولو لقيت فلوس فايضة، أجيب شوية فاكهة.. فاكهة الغلابة طبعا.. الموز.. اليوسفي [المندرين].. الجوافة.. أنا (يا جماعة) اكتشفت إن كل الفاكهة معادنا معاها في الجنة إن شاء الله.. أنا رجعت من غير م أجيب الأساسيات.. حتى الأساسيات م بقيناش [لم نعد] نقدر نجيبها، الحمد لله.. والله يا جماعة أنا بروح السوق برجع معيّطة (باكية).. بعدِّي العربيات [أمر بين السيارات] وأنا بتمنى أي عربية تشيلني [أي سيارة تصدمني] وأرتاح.. الغلو [الغلاء] زاد أوي.. إحنا تعبنا من الغلو.. بقى أزيد من فوق طاقتنا"..

كلمات هذه السيدة المنكوبة (ككل المصريين) بهذا المنقلب، لهي أبلغ رد على تساؤله الذي أجاب عنه: "هل إحنا عندنا مشكلة في السلع؟! لا والله!.. اعملوا اللي انتو عايزينه.. أنا والله باحلف [وكأنه لم يحنث بكل يمين أقسمه من قبل] خدوا اللي انتو عايزينه.. انزلوا عَبّو [احملوا قدر استطاعتكم] من الأسواق"!.. فأيهما أصدق حديثا، هذه السيدة المسحوقة العاجزة (تماما) عن شراء الأساسيات، أم هذا الكذوب الذي لم يُجرِّب عليه الناس صدقا قط؟!

وإذا كان هذا هو حال المُعدَمات من نساء مصر، فهل سلمت الموسرات من أذى الجنرال المنقلب؟! الإجابة: كلا.. فهذه السيدة بهيرة الشاوي، زوجة رجل الأعمال صفوان ثابت، التي أسلمت الروح (قبل أيام) حزنا وكمدا على زوجها وابنها المعتقلين؛ لأنهما رفضا استحواذ جيش السيسي على شركة "جهينة" المملوكة لهما!.. وزاد السيسي في التنكيل بهذه الأسرة العصامية الناجحة، فمنع إقامة مجلس عزاء للسيدة الراحلة!.. وكانت السيدة بهيرة قد ناشدت سلطة الانقلاب (أكثر من مرة) السماح لها بزيارة زوجها وابنها، وإطلاق سراحهما، ولكنها لم تتلق أي رد من أجهزة السيسي، حتى صعدت روحها إلى بارئها!

فإذا كان هذا هو حال نساء مصر المعدمات منهن والموسرات على السواء؛ خارج أسوار سجون السيسي، فماذا عن عشرات النساء المعتقلات لموقفهن السياسي الرافض للانقلاب على الشرعية الدستورية والرئيس المنتخب (رحمه الله) وكلهن محرومات (منذ سنوات) من رؤية ذويهن.. الأزواج، والآباء، والأمهات، والأبناء؟! وأخريات خارج أسوار السجون محرومات من رؤية أزواجهن وأبنائهن، منذ سنوات أيضا!.. ثم يأتي هذا المنقلب ليقول في تصنع مثير الغثيان؛ كي يستدر عطف المدعوات، ومن يشاهدنه على الشاشات إن كانت لا يزال هناك من تتحمل مشاهدته والاستماع إليه:

"لقد عاهدت نفسي منذ أن توليت مسؤولية هذا الوطن، أن تأخذ المرأة المصرية مكانتها العظيمة التي تستحقها.. وإنني على العهد والوعد ببذل كل ما في وسعي لدعم وتمكين المرأة المصرية وحمايتها؛ عرفانا بدورها الفاعل في بناء المجتمع، وانشغالها بهمومه"..

وبالطبع، لا يوجد مكان في مصر- السيسي لـ"حماية" المرأة أفضل من السجن، حتى أن أهلها لا يمكنهم الوصول إليها!

أنا مش سياسي.. أنا مش رئيس!

أنطق الله بالحق هذا المنقلب وهو الكذوب، في مناسبتين.. الأولى حين قال بلهجة غاضبة من الشعب، متوعدا إياه: "أنا مش سياسي ولا ليّا في السياسة".. والثانية في هذه المناسبة، حين قال في تصَنُّع مَقيت: "والله والله!.. أنا صادق معاكم وأمين.. والله يعلم ما في نفسي [..] أنا مش رئيس والله.. والله أنا ما رئيس [..] يقولك آآآ.. أكيد السفرة بتاعته دي مختلفة جدا.. بياكل من الجنة يعني [ضحك] لا لا لا.. أنا بسألهم [زوجته] عن الأسعار.. دي بكام؟ ودي بكام؟.. متجيبوش دي.. وجيبوا دي.. أنا بعمل كده.. آآآ.. أومال إيه!.. مش أنا مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى؟.

السيسي بيسأل أم محمود عن أسعار الأكل!.. وبيقول لها: اشتري دي يا أم محمود، ومتشتريش دي يا أم محمود!.. يعني بيوصي أم محمود بشراء الأكل "الرخيص"! وكان ناقص يستشهد بأم سيد على صدق كذبه!.. السيسي الذي اشترى طائرة رئاسية جامبو، لا حاجة لمصر إليها، يزيد ثمنها على نصف مليار دولار، ويطلقون عليها اسم "المدينة الطائرة" أو "الطائرة المدينة، إضافة إلى عدد آخر من الطائرات الرئاسية اشتراها في وقت سابق.. السيسي الذي بنى عددا من القصور والاستراحات الرئاسية التي لا حاجة لمصر إليها (برضه) بيسأل زوجته (أم محمود) عن أسعار الأكل، وبيوصيها بشراء الأرخص!

يا خبر إسود ومهبب!.. إنتي فين يا مدام انشراح تردي الرد (الأنفي) المناسب على هذا الاستهزاء المتعمد بالمصريين؟.. هل لا يزال يعتقد هذا الكذوب بأن هناك من المصريين من يصدقه؟! ألا يعلم أنه كاذب، ويكذب كما يتنفس، ويعلم أن المصريين باتوا يوقنون أنه كذوب، وليس كاذبا فحسب، إذ لم يبر بقسم واحد أقسمه، منذ انقلابه المشؤوم على إرادتهم في 3 تموز/ يوليو 2013؟!

على أية حال.. لم يكن المصريون بحاجة إلى تنبيه هذا المنقلب لهم بأنه ليس سياسيا ولا رئيسا، فالسواد الأعظم منهم يعلمون أنه عسكري، محدود المؤهلات، لا دراية له بالسياسة.. وهو منقلب (بالقوة المسلحة) على رئيسه المدني المنتخب!.. أما وأنه أقر واعترف بأنه ليس سياسيا ولا رئيسا، فمن حق "المسريين" أن يسألوه السؤال نفسه الذي سألته الفنانة الراحلة ماري منيب للفنان الراحل عادل خيري مرات ومرات في مسرحية "إلا خمسة": إنتي جايه تشتغلي إيه؟! وكانت إجابة خيري: جاي أشتغل "سوَّاق".. أي سائق..

وبما أن هذا المنقلب "يقود" البلاد، بغض النظر عن عدم شرعية استحواذه على عجلة القيادة، فهو "سوَّاق"، وكل المؤشرات تقول: إن هذا "السوَّاق" يسير بمصر نحو الهاوية، وبأقصى سرعة.. فلم يعد (في مصر) أصل ذو قيمه إلا وفرَّط فيه بوسائل ملتوية، مطعون في دستوريتها ومشروعيتها، وبات المصريون يعيشون في وطن "استحوذ" عليه الانتهازيون من "الأشقاء"، لحساب "أولاد العم" الأعداء، وسيستمر التفريط فيما بقي من مصر، ما بقي هذا المنقلب "سوَّاقا".

نُشِر في 29 مارس 2022

رابط المقال على عربي 21

مصر ارتفاع الأسعار الانهيار الاقتصادي الانقلاب الفقر السيسي