العَلمَانيَّة المَجْنِي عليها!
الخط
شارك

العَلمَانيَّة المَجْنِي عليها!

2022/04/10
عدد الزيارات

قد يكون هذا المقال صادما للإسلاميين والعلمانيين، والأطياف التي بينهما على السواء!

فمن خلال التراشق بين الفريقين على مدى عقود، تبيَّن لي أن كلا الفريقين ظلم العَلمانية ظلما واضحا، يجب رفعه، وإعادة الأمور إلى نصابها!

فالإسلاميون، يتمحور حديثهم حول معادة العَلمانية للدين، باعتبارها تقوم (في الأساس) على فصل الدين عن الدولة، أو استبعاد الدين من الحياة اليومية، أما العَلمانيون، فقد تمسكوا بتجربة الثورة الفرنسية التي لم تؤتِ أكلها إلا بعد قرن من الزمان تقريبا، ويصرون على أن فرنسا ما كانت لتكون دولة مؤسسات إلا بعد فصل الدين عن الدولة!

وللإنصاف (ونحن الشهداء على الناس) فإن كلا الفريقين مخطئ بالكلية! فلا العلمانية (الأم) التي تبلورت في "عصر الأنوار" أو "عصر التنوير" كانت معادية للدين، ولا فرنسا أصبحت دولة مؤسسات؛ لأنها ألقت بالدين خلف ظهرها!

إننا (في الحقيقة) أمام عَلمانيتين، لا علمانية واحدة! العَلمانية الأولى يمكن أن نسميها "العَلمانية الأم"، وهي التي نظّر لها روسو وفولتير ومونتسكيو وآخرون كُثر، قبيل الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، والثانية يمكن أن نسميها "العَلمانية المُخَلّقَة"، وأعني بها العلمانية التي واكبت استعمار بلاد العرب والمسلمين، ونظَّر لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أمثال قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، ثم فرج فودة، ونصر حامد أبو زيد، ونوال السعداوي (مصر)، وتركي الحمد (السعودية) وأحمد الخطيب (الكويت)، وعشرات بل مئات آخرون، في كل أنحاء وطننا العربي والإسلامي.

فـ "العَلمانية الأم" أنكرت تلك "الخرافة" التي جعلت الكنسيةُ منها "دينًا"! بمعنى أن "العَلمانية الأم" لم ترفض الدين، وإنما أنكرت "الدين - الخرافة".. ويؤسفني أن أقول أن هذا الدين الذي قام على الخرافة هو "المسيحية".. فالمسيح عليه السلام كان "يهوديا"، والإنجيل لم يكن سوى تصويبات لانحرافات بني إسرائيل، أي اليهود، ومن ثم، لا وجود لدين (سماوي) اسمه "المسيحية"، وأن هذا الدين (المسيحية) نشأ بعد ما يربو على 300 سنة، من ميلاد السيد المسيح، في بلاد اليونان، أرض الأوثان، وليس في أرض الكنعانيين (فلسطين) مهد المسيح عليه السلام، وأرض قومه ودعوته، ولكن هناك "نصارى" آمنوا بتصويبات المسيح وتعاليمه (الإنجيل - الوحي) الذي أشار إليه القرآن الكريم، وليس هذا الذي يسمونه العهد الجديد.

لقد استحدث بعض المتفلسفين اليونان الذين تأثروا بتعاليم المسيح دينًا، لم يأت به المسيح عليه السلام، ولم ينحت اسمه، وهو منه براء (!) ثم جعلوا له كنائس، وأديرة، وسَدَنة ذوي درجات ورُتب! وقد ضجَّت جنبات هذه الأديرة (على مدى تاريخها) بكل أشكال الشذوذ والانحراف، وكانت الرُتب الكنسية تُعرض للبيع! فتولى أمر الكنيسة الفجار والفساق من "الإكليروس" اي "رجال الدين"، وشكّلت الكنيسة "ثالوث الاستعباد" إلى جانب الملك الذي كان يحكم بموجب الحق الإلهي، والإقطاعيين (النبلاء) الذين كانوا يديرون شؤون الحياة بالكامل لصالح الملك والكنيسة، ولصالحهم بطبيعة الحال، من خلال العبيد، أي الشعب!

إن كُفر فلاسفة ومفكري عصر الأنوار بـ "المسيحية" - الخرافة، أراه (في نظري كمسلم) إيمانا بالله لا كُفرا به! لقد كفر هؤلاء بما يجب على المسلم أن يكفر به! لكنهم لم يعرفوا طريقهم إلى الإسلام، رغم أن معظمهم قرأ عنه، وكتب بعضهم عن الإسلام كلاما معتبرا، ومن هؤلاء جان جاك روسو، ذلك الفاسق المنحل، الكافر بتلك الخرافة، المؤمن بالله (على طريقته)!

إن هؤلاء المفكرين لم يدعوا إلى فصل الدين عن الدولة فحسب، بل دعوا إلى "محو" هذا الدين بالكلية من الحياة، ليس لأنه "دينًا"، ولكن لأنه "خرافة" تم إلباسها ثوب الدين، ومن ثم توظيفها لاستعباد الناس، وإقامة هذا الحلف غير المقدس مع الملك وطبقة النبلاء (الإقطاعيين)! وهم محقون في ذلك كل الحق!

لقد كفر هؤلاء المفكرون والفلاسفة بدين يُجرِّم التفكير، ويعتبره لونا من الهرطقة (الكفر)! ومكَّن الملكَ من استعباد الشعب وسحقِه باسم الله! وأباح الفسوق والفجور، واخترع صكوك الغفران؛ للتكفير عن هذه الموبقات، من خلال قساوسة فجرة بالأساس! فأي عاقل يقبل بدين كهذا؟!

وللتوضيح، فإن أصح تفسير للعلمانية لدى مفكري وفلاسفة عصر الأنوار يعني:

إن هذا (العالم) الذي نعيش فيه، من حقنا أن نديره بمعرفتنا، أما العالم الآخر (الآخرة) فهذا شأن الرب، وللكنيسة أن تقول فيها ما تشاء، لكن ليس مسموحا لها أن أن تتدخل في إدارة (عالمنا) أو (حياتنا)، ولسنا ملزمين بالإيمان بما تقول.. وكانوا محقين في ذلك تماما؛ لأن تعاليم الكنيسة ونظرتها للحياة، محض (إنتاج بشري) تراكم عبر العصور، ولا علاقة له بالله ولا بالمسيح، ومن ثم فلا قدسية له!

أما في عالمنا العربي والإسلامي، فلم يحاول المتأثرون بالتجربة الفرنسية، أو المتعلمنون، فهم هذه الحقيقة، أو أنهم فهموها وأعرضوا عنها، أو أن الإسلام لم يمس قلوبهم من الأساس، فآثروا تبنِّي عَلمانية ابتدعوها أو "خَلَّقُوها"، بدلا من الجهر بالكفر، مع حرصهم الدائم على إعلان إسلامهم (المائع أو المشوَّه) الذي لا يعني (في الحقيقة) أي شيء! فإذا كان لمفكري فلاسفة عصر الأنوار الحق في إنكار هذه الخرافة (المسيحية) التي لم يترتب عليها إلا المفاسد، فما وجه الشبه بينها وبين الإسلام (في نظر علمانيينا) كي يحذوا حذوَ مفكري عصر الأنوار في الكفر بدينهم الخرافة؟!

الحقيقة، لا وجود لأي تشابه بين الإسلام و"المسيحية"! فالمسيحية المزعومة، حرّمت التفكير، والإسلام حضَّ عليه حضًّا.. و"المسيحية" وضعت وسطاء (الإكليروس) بين الناس وبين إله بثلاث رؤوس، أما الإسلام فقد خلَّى بين الناس وبين الله الواحد الأحد.. و"المسيحية" جعلت تفسير كل شيء منوط بالكنيسة، حتى الظواهر الكونية، أما الإسلام فقد أمر المسلمين بالنظر في السماء، والسير في الأرض؛ لاكتشاف الأسرار التي أودعها الله في كونه، وأمرهم بتسخيرها والاستفادة منها! أما الأخطاء والهنّات ارتكبها حكامٌ وعلماءٌ مسلمون باسم الدين، على مر العصور، فالدين نفسه يدينها، ويبرأ منها، ويعتبر أولئك مبتدعين في دين الله، ومنحرفين عن صراطه المستقيم!

فأي شيء في الإسلام يجعل علمانيينا يحرصون كل هذا الحرص على معاداته، ومحاولة تنحيته عن حياة المسلمين الذين ارتضوه دينًا؟! وأي ظلم يرتكبه هؤلاء بحق "العلمانية الأم" التي كانت ردا منطقيا وفطريا، على خرافة نسبوها إلى المسيح عليه السلام، وهو منها براء؟!

نُشِر في ١٠ مارس ٢٠٢٠ 

الإسلام المسيحية العلمانية وعي الدين الخرافة