حكايتي مع الكاريكاتير
الخط
شارك

حكايتي مع الكاريكاتير

2022/04/07
عدد الزيارات

لمن لا يعرف، فقد تخرجت في كلية الفنون الجميلة (الزمالك – القاهرة) قسم الجرافيك، شعبة الرسوم المتحركة، في عام 1984، متأخرا عن دفعتي عاماً، قضيته في سجن أبي زعبل، إثر اغتيال الرئيس السادات، على يد الملازم أول خالد الاسلامبولي ورفاقه العسكريين من الجماعة الإسلامية، يوم 6 أكتوبر 1981، أثناء العرض العسكري الذي كان يقيمه السادات، في كل عام، احتفالا بـ (انتصاره) في حرب أكتوبر التي خاضها بالتنسيق مع الأمريكان (دون علم قيادة الجيش)؛ لإرغام الصهاينة على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، وإنهاء حالة (اللاحرب واللاسلم) المخيمة على منطقة الشرق الأوسط، بعد هزيمة 1967 التي احتل الصهاينة على أثرها شبه جزيرة سيناء بالكامل، وإقامة خط بارليف على طول الضفة الشرقية لقناة السويس، وهو ساتر ترابي منيع، شكل حاجزا ثانيا أمام أي محاولة عبور يقوم بها الجيش المصري، إلى جانب الحاجز الأول ألا وهو قناة السويس.

عملت (قبل تخرجي بعام) مصمما في شركة «سفير» حديثة النشأة وقت ذاك، ثم رئيسا لقسم التصميم بها، حتى سفري إلى باكستان في أكتوبر عام 1987، من خلال «نقابة أطباء مصر» التي كانت تقوم على توفير الكوادر والكفاءات الفنية والعلمية اللازمة لمساعدة «المجاهدين الأفغان» في نضالهم ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان حينذاك، أما صاحب الدعوة فكان الإعلامي الأستاذ أحمد منصور الذي كان قد سبقني إلى هناك قبل بضعة شهور..

بدأت صلتي بمنصور أثناء عمله في «دار الوفاء للطباعة والنشر» التي بدأت نشاطها، من مدينة المنصورة، وسط دلتا مصر.. إذ كان منصور (خريج آداب لغة عربية) مسؤولا عن إعداد كتب الدار للنشر، وكان من بين مهامه تكليف المصممين بتصميم أغلفة الكتب، وكنت أحدهم، إن لم أكن الوحيد في تلك الفترة، فلم يكن هناك كوادر (إسلامية) عاملة في مجال الفنون عموما، والتصميم (الجرافيك) خصوصا، في تلك الحقبة، إلا نادرا جدا؛ لتغلغل الفكر الوهابي، أو ما يسمى "السلفي" بين الشباب، في مصر وقتذاك، وكان هذا التيار يعتبر الرسم والتصوير (حراما ) لأنه (مضاهاة) لخلق الله!! قبل أن (يتراجع) عن هذه الفتوى التي ظلت سيفا مصلتا على رقاب أصحاب المواهب من الشباب لنحو عشرين سنة، دون إبداء أي سبب (مقنع) للتراجع عن هذا التحريم!

منذ ذلك التاريخ، أي أكتوبر 1987، بدأت مرحلة جديدة من حياتي، كان لها ما بعدها، فإلى تلك الحقبة التي قضيتها في باكستان (نحو ست سنوات) يعود الفضل (بعد الله تعالي) في اكتساب العديد من المهارات والخبرات في مجالات الإعلام المختلفة.. إخراج صحفي.. تحرير صحفي.. كتابة صحفية.. رسم كاريكاتير.. قراءات نقدية للحركة الإسلامية وغيرها.. إلخ.

في تلك الحقبة، كانت هناك حركة نشطة لإصدار الصحف والمجلات العربية من أوروبا.. لندن وباريس على وجه الخصوص، وكان يموّل هذه المطبوعات أمراء خليجيين؛ لأسباب داخلية (تصفية حسابات داخل الأسر الحاكمة) لاسيما السعودية، ولأسباب تتعلق برغبة الغرب (أمريكا وبريطانيا) في إبراز طلائع العلمانيين (الخليجيين)، وشيوع العلمانية في منطقة الخليج التي كانت (منغلقة) حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، وقد آتت هذه العملية (الممنهجة) أكلها اليوم، وليس أدل على ذلك مما يجري في بلاد الحرمين الشريفين من انحلال وفجور، بدعم (رسمي) من ولي العهد محمد بن سلمان!

كانت تأتينا (نحن العاملين في صحف ومجلات المجاهدين الأفغان الناطقة بالعربية) هذه الإصدارات (المهاجرة) بصورة منتظمة، من خلال الاشتراكات.. وقد حشد القائمون على هذه الإصدارات أفضل الكفاءات العربية وقت ذاك، في الكتابة، والتحرير، والإخراج الصحفي، والكاريكاتير.. وكانت فرصة ذهبية لأقرأ، وأتعلم، وأكتشف نفسي، وأطور موهبتي..

في أحد أعدادها الصادرة عام 1988، أعلنت صحيفة «الشرق الأوسط» التي تصدر من لندن، عن تنظيمها مسابقة أسبوعية لأفضل رسالة، وحددت مجالات المنافسة: قصة.. شعر.. مقال.. تعقيب على موضوع منشور في الصحيفة.. كاريكاتير.. ومجالات أخرى لم أعد أذكرها.. ولم أكن (حتى ذلك التاريخ) قد احترفت فن الكاريكاتير، رغم أني تخصصت في الجرافيك والرسوم المتحركة، ورسمت كتبا للأطفال أثناء عملي في شركة سفير، غير أن الرسوم المتحركة ورسوم الأطفال شيء، وفن الكاريكاتير شيء آخر، رغم التشابه الكبير بينها في العموم!

فليس بالضرورة أن يكون رسام الرسوم المتحركة رساما كاريكاتوريا.. حيث أن رسام الكاريكاتير يجب أن يتمتع بملكات خاصة، وثقافة سياسية واجتماعية عالية، وقدرة على الاختزال (البلاغة) حتى يتمكن من التعبير عما يريد بالرسم.. وقد تندهش (عزيزي القارئ) إذا قلت لك أن أحد أشهر رسامي الكاريكاتير في مصر، وهو مصصطفي حسين، رغم أنه (رسام موهوب للغاية) استطاع التعبير عن أفكار الكاتب الساخر أحمد رجب باقتدار، غير أنه (فقير الفكرة)، وقد اتضح هذا الفقر في أفكاره الكاريكاتورية، بمجرد فض (الشراكة) التي جمعته مع رجب، فبدا واضحا تماما أن (أفكار ) حسين الكاريكاتورية، غاية في السذاجة، ولا أريد استخدام كلمة (الفجاجة).. ذلك لأن الكاريكاتير «فكرة»، قبل أن يكون «رسمة»، فإن كانت الفكرة ضعيفة أو باهتة، ظل الكاريكاتير مجرد رسمة، قد تكون مبهرة في حد ذاتها، إذا كان صاحبها رسام قدير مثل مصطفى حسين!

أعود إلى بدايتي مع فن الكاريكاتير..
قررت أن أخوض التجربة، وأتقدم لمسابقة «أفضل رسالة»، في مجال الكاريكاتير.. فلِمَ لا؟! وأنا رسام بحكم التخصص، ومهتم بالسياسة، ولدي شيء من البلاغة في التعبير .. فلأجرب.. فقمت بإنجاز ثلاثة أفكار أو أربعة لم أعد أذكر، وأرسلتها إلى صحيفة الشرق الأوسط في لندن بالبريد الممتاز.. وبقيت لأيام أتابع بشغف يوم مولدي رساما كاريكاتوريا، أو يوم رسوبي في هذا الامتحان، فلا أعيد الكرَّة، وأقنع بكوني رساما لكتب الأطفال فحسب..

وذات صباح، فتحت صحيفة الشرق الأوسط، لأجد رسوماتي قد احتلت ربع صفحة تقريبا، مع كلمة كتبها الفنان الكبير الراحل الأستاذ محمود كحيل، رسام الكاريكاتير بالصحيفة وأخواتها من مطبوعات «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» وأذكر أنه كتب (تحت عنوان: رسالة من قارئ موهوب) تقريظا لرسوماتي، يعادل في قيمته لديَّ، شهادة البكالوريوس في الفنون.. فالأستاذ كحيل (رحمه الله) كان من أعلام فن الكاريكاتير في تلك الحقبة، عالميا وعربيا، ومما زاد من غبطتي وسروي، أن رسالتي كانت الوحيدة من بين الرسائل الفائزة طوال فترة المسابقة التي كُتب تعليقٌ عليها!

ولبيان درجة صعوبة النجاح في هذه المسابقة، عليك أن تعرف (عزيزي القارئ) أن لجنة التحكيم كانت تختار أفضل رسالة في كل مجال أسبوعيا، ثم تختار أفضل رسالة من بين الرسائل الأفضل.. فتصبح الرسالة الفائزة قصة، أو قصيدة، أو مقال، أو كاريكاتير، كما حصل مع مساهمتي، وكانت المساهمة الكاريكاتورية الوحيدة الفائزة على مدى عام كامل، هو عمر المسابقة. وكانت مكافأتي عنها 500 جنيه استرليني، وصلتني شيكا بالبريد الممتاز.

إذاً.. فقد ولد اليوم رسام كاريكاتير اسمه أحمد عبد العزيز.. بشهادة فنان الكاريكاتير القدير محمود كحيل (لبناني)، وعلى صفحات «الشرق الأوسط» أوسع الصحف العربية انتشارا وقتذاك.. وصدقت أو تأكدت (ساعتها فقط) أني موهوب، وأني قادر على رسم الكاريكاتير، بمستوى يحوز إعجاب النخبة، وليس القارئ العادي فحسب.. وتوالت رسوماتي في الصحيفة، حتى أن الصحيفة كانت تنوِّه عن بعضها، في صحفتها الأخيرة، تحت عنوان: «غدا» وكان شريطا بعرض الصفحة، تحت (الترويسة) مباشرة، يحتوي على أهم المواضيع التي ستنشر غدا.

انتهت المسابقة التي أسفرت عن 54 فائزا، كنت أحدهم.. وفي لفتة لا تخلو من (المن) وجهت إدارة الصحيفة للفائزين رسائل بالبريد، احتوت على عدد من الأسئلة، كان من بينها سؤال: ماذا فعلت بقيمة الجائزة500 جنيه استرليني؟
أطلعتُ صديقي وزميلي الأستاذ (ت. غ.) على الرسالة، فاقترح أن أرد بالكاريكاتير! وقد كان..
وبعد نحو شهر، نشرت الصحيفة ردود الفائزين على صفحتين متقابلتين، بدلا من صفحة واحدة كما كان مقررا (انظر الرسالة)، ولأن ردي كان أربع رسومات كاريكاتورية، وليس بضعة سطور، فقد احتلت رسوماتي الثلث الرأسي الداخلي للفحة اليمنى! وكان هذا يوم تتويجي (أمام نفسي) رساما كاريكاتوريا محترفا.

وفي عام 1991 أعلنت صحيفة «المسلمون» إحدى شقيقات «الشرق الأوسط» عن مسابقة متعددة المجالات أيضا، فاشتركت فيها وفزت بفضل الله، وكانت جائزتها 500 دولار.. وتوالت رسوماتي الكاريكاتورية، في مجلات المجاهدين الأفغان الناطقة بالعربية، ثم في صحيفة «الشعب» المصرية، لسان حال «حزب العمل» برئاسة تحرير الأستاذ عادل حسين (رحمه الله)، ثم مجلة «الدعوة» المهاجرة، لسان حال الإخوان المسلمين، ثم مجلة المجتمع الكويتية، ثم صحيفة «الشرق» القطرية، ثم … ثم .. ثم انقطعت عن رسم الكاريكاتير بعد أن أسست شركة «الموهبة» في دبي عام 1997، حتى عدت إلى رسم الكاريكاتير من جديد في «ميدل إيست أوبزيرفر» بعد الهجرة القسرية إلى تركيا، إبَّان الانقلاب على الرئيس مرسي (رحمه الله)، بدعوة من الوزير يحيي حامد.. ثم في «ميدل إيست آي».. ثم في «الجزيرة نت».

أحمد عبد العزيز
اسطنبول 10 / 4 / 2020

الكاريكاتير كاريكاتير فن الكاريكاتير كارتون الصحافة أحمد عبد العزيز الشرق الأوسط الجزيرة نت ميدل إيست آي الشعب الشرق