شيرين
الخط
شارك

شيرين

2022/05/13
عدد الزيارات

بكيتها وأنا الممنوع من الانفعال بأمر الأطباء!

فأي أمر هذا الذي يحول بين الإنسان وإنسانيته، فيمسك دموعه إذا فاضت، أو يكبت حزنه إذا تفجرت براكينه، أو يمنع شعوره بالألم إذا اجتاح بدنه؟!

بكيت شيرين.. المراسلة الدؤوب التي كانت (دائما) في قلب الحدث، المناضلة التي لم يعرف الكللُ لها عنوانا، الصحفيَّة التي تحلَّت بالموضوعية المنحازة للحق والمنطق.

بكيت شيرين.. صوت القدس، صوت الأقصى، صوت الأسرى، صوت الحقيقة الذي أسكتته رصاصة الغدر الصهيوني، عن سابق قصد وتصميم، في لمح البصر.

بكيت شيرين الشُّجاعة المِقدامة التي دفعت حياتها ثمنا لقضية عادلة، تعتبرها الأمة كلها، على اختلاف توجهات أبنائها الفكرية، قضيتها المركزية.

بكيت شيرين التي أسلمت الروح في موقف مشابه (تماما) لذلك الموقف الذي أسلمت فيه ابنتي حبيبة روحها، في أثناء نقلها لأحداث مجزرة رابعة العدوية، صباح يوم 14 آب/ أغسطس 2013، الذي لم أبرأ من آثاره النفسية والجسدية حتى اليوم.

بكيت شيرين الإنسانة الوديعة التي تسابق قطعان المتنطعين الجبناء، الذين يكتبون على مواقع التواصل الاجتماعي تحت أسماء مستعارة؛ في تقريع وتوبيخ من يترحم عليها، ويتهمونه في دينه، كونها مسيحية، وهي الغارقة في دمها بين صفوف المرابطين، على أرض الرباط، غير عابئين بجلال الموت، وفقدان صوت قدّم للمسجد الأقصى أكثر ألف ألف مرة مما قدّم له هؤلاء جميعا، إذا كانوا قدموا شيئا من الأساس!

أنا لست فقيها ولا مفتيا، ولكني إنسان مسلم يعرف المعلوم من دينه بالضرورة، ويحاول فهم مقاصده، في كل مسألة تعترضه، إذا استحق الأمر أن يكون مسألة.

في هذه "المسألة" تحديدا، أرى أن هذا الصنف من المسلمين يتحملون (أكثر من غيرهم) وزر غير المسلمين الذي يعيشون بين ظهرانينا ولم يعتنقوا الإسلام؛ بسبب جهلهم وجهالتهم! ففوق جهلهم بدينهم، فهم جُهَّال، غلاظ، أجلاف، قساة، في تعاملهم مع غير المسلمين من أبناء جلدتهم الذين لم يروا من هؤلاء المتنطعين علما، ولا فقها، ولا رحمة، ولا لينا، ولا إنصافا، ولا مودّة، وإنما رأوا منهم كل ما يجعلهم يفرون من الإسلام، كما يفر المرء من الطاعون!

كيف لغير المسلم في مجتمعنا المسلم (اليوم) أن يؤمن بدين يتلاعب به نفر من أهله، يزعمون أنهم فقهاء وعلماء ومشايخ، يحرمون أمرا حينا من الدهر ثم يُحلُّونه لاحقا، في صمت مستفز، وكأن شيئا لم يكن؟!

لماذا يسارع هؤلاء المتلاعبون بالدين إلى تحريم ما ليس فيه نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت؟! لماذا لا يستخدمون مصطلحات أدنى رتبة من "التحريم" إذا أُشكِل عليهم الأمر؛ ليظل هناك سبب "منطقي" للتراجع عن هذا "الاجتهاد" إذا ثبت خطؤه لاحقا، هذا إذا اعتبرنا هؤلاء مجتهدين من الأساس، وما هم إلا عالة على كتب السلف، ونُسَخ منها، في أحسن الأحوال؟

أحيلك (عزيزي القارئ) إلى مواقف "متمسلفي" مصر وكتاباتهم في ثمانينيات القرن الماضي، التي حرَّمت تحريما قطعيا دخول البرلمان (كونه يُشرِّع من دون الله) بعد عزم الإخوان المسلمين خوض الانتخابات البرلمانية، متحالفين مع حزب الوفد الجديد! ثم وجدناهم (بعد انتفاضة يناير 2011) ينخرطون في سباق انتخابي محموم؛ للجلوس تحت قبة ذلك المبني الذي ينازع الله في سلطانه على خلقه! حدث ذلك دون تبرير "شرعي" لهذا التحوّل المفاجئ!

وأحيلك أيضا (عزيزي القارئ) إلى فتاوى تحريم التصوير والرسم التي ملأت السماء، حتى حجبت عنا الشمس، طيلة ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم! ثم وجدنا مَن كان يحرمهما يبرع في أوضاع التصوير، والحديث إلى الكاميرا، مع ظهور الفضائيات!

مبلغ علمي، أن الحرام لا يكون حلالا بأي حال!.. فالحرام (في ديننا) يظل حراما أبد الدهر، حتى لو أتاه المسلم مترخصا؛ للنجاة من هلاك محقق، وهذا النوع من المحرمات منصوص عليه نصا في القرآن الكريم، وليس من بين هذه المحرمات وجود البرلمان، ناهيك عن دخوله!.. "إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ" (البقرة: 173).

وثالثة الأثافي، ما كان مِن ذلك "الشيخ" السعودي الذي أجاز لـ"ولي الأمر" أن يزني ويشرب الخمر لمدة "نصف ساعة" يوميا على الهواء! ثم سمعنا باعتقاله مع آخرين لا يقلون عنه جرأة على الله. ولا أدري لماذا نصف ساعة، وليس أقل أو أكثر، ولا أدري لماذا على الهواء مباشرة، وليس في أي داهية، بعيدا عن أعين الناس!

ألم يسمع (هذا) بحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) المتفق عليه: "سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه"؟!

نلاحظ هنا، أن العاصي (في الحديث) قد عصى الله، في ستر منه، فأصبح يكشف ستر الله عنه! فما بال مَن يعصي الله "على الهواء" مباشرة، أمام الملايين من رعيته! فأي دين هذا؟!

كيف لعاقل من غير المسلمين أن يرى ويسمع بهذه "المساخر" أن يفكر في اعتناق الإسلام، وهو الجاهل بأصول اللغة العربية وآدابها التي بدونها لن يفهم القرآن؟ وكيف له أن يفهم القرآن بغير مفسِّر، وقد فقد الثقة بمن يلوكون الدين ليل نهار، يبتغون بذلك ثمنا قليلا، فما عاد هذا المسكين المشوَّش يفرِّق بين الغث والسمين، ولا بين الغلاة والمفرِّطين، ولا بين الصالح والطالح؟!

لينظر هؤلاء المتنطعون في حالهم مع الله أولا، ثم في واجبهم نحو غير المسلمين بين ظهرانيهم الذين لم يقوموا بواجب الدعوة نحوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وإنما زادوهم نفورا من الإسلام وشريعته، فوق نفورهم الذي يتلقونه من قساوستهم!

لا يستشهدن هؤلاء المتنطعون بمن يسعون من غير المسلمين (عربا وعجما) للتعرف على الإسلام، فكل واحد وواحدة من هؤلاء حالة بذاتها لا يمكن القياس عليها، فلكل منهم قصة تختلف عن الآخر، ودوافع مختلفة جعلته يسعى للإسلام سعيا، رغم انحطاط الكثير من المسلمين وسوء أخلاقهم، فإسلام هؤلاء ليس حجة على مَن سواهم.

قطعا.. لا أريد من هؤلاء المتنطعين أن يتخلوا عن عقيدتهم، وإنما أريد منهم أن يرتقوا بأنفسهم، فيكونوا بشرا أسوياء، وبتعبير أدق، أن يكونوا مسلمين صالحين؛ يحترمون مهابة الموت، وجلال اللحظة، ويقيمون وزنا واعتبارا للحزن على ميت يستحق الحزن عليه؛ لمآثره وسجاياه، وأثره النافع في الحياة ولقضايا الأمة.

يا رب.. نؤمن بما أنزلت على عبدك ونبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) ونسلم به تسليما، لا نفتئت عليك، ولا نقدم بين يديك، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك.

يا رب.. اللهم إن روح أَمتك شيرين أبو عاقلة قد صعدت إليك، وهي إلى جانب المرابطين من عبادك، في الأرض التي شرفتها على سائر أرضك، ما شهدنا لها إلا بما علمنا منها، أمرها موكول إليك، لا معقب لحكمك، يا من وسعت رحمته كل شيء.

نُشِر في 13 مايو 2022

رابط المقال على عربي 21

شيرين أبو عاقلة فلسطين القدس الأقصى قناة الجزيرة الصحافة الإعلام المراسل الصحفي اغتيال الصحفيين العدو الصهيوني