"م تسألش السؤال ده"!
الخط
شارك

"م تسألش السؤال ده"!

2022/01/25
عدد الزيارات

عنوان المقال ليس لي، وإنما كان إجابة عن سؤال وجهتُه إلى الأخ الأستاذ "ع. ن" أحد مسؤولي الإخوان المسلمين المصريين في بيشاور الباكستانية، في عام 1988.. فماذا كان السؤال؟ وما المناسبة؟ وماذا كانت النتيجة؟..

ذات يوم، من أيام عام 1987، وبينما أنا منكفئ على مكتبي في شركة "سفير" بالقاهرة، رائدة إصدارات الأطفال (المقروءة والمسموعة) في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فإذا بالسكرتير يناديني للقاء ضيف في مكتب المدير العام الدكتور محمد عبد اللطيف.. فذهبت من فوري لأجد الأستاذ (أ. ع) الذي لم أكن قد التقيته من قبل، فعرفني بنفسه: فلان.. كنيتي هناك "أبو بلال".. وقد أوصى الأخ ".." (إعلامي معروف حاليا) بالتواصل معك، والطلب إليك السفر إلى بيشاور؛ لإخراج مجلة "البنيان المرصوص" التي انضم إلى أسرة تحريرها حديثا، وتصدر عن "اتحاد إسلامي أفغانستان" الذي يرأسة عبد رب الرسول سياف..

أما لماذا طلبني هذا الإعلامي تحديدا؟.. فذلك لأني تعاونت معه، عندما كان محررا لكتب "دار الوفاء" بالمنصورة، إذ كان يكلفني (من حين لآخر) بتصميم أغلفة كتب الدار، ولما غادر إلى الإمارات ومنها إلى بيشاور، التحق بـ"البنيان المرصوص" موفدا من "لجنة الدعوة" (التي كان يعمل بقسمها الإعلامي)، ورأى أن المجلة بحاجة إلى تطوير، فطلب إلى مسؤولي اللجنة التواصل معي، وعرض فكرة السفر عليّ للقيام بهذه المهمة.. وكان يوما لم يشبه يوما قبله، في عمري الذي لم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين!.. لقد غمرني "يقين" بأن الله قد اختارني لأكون في خدمة "المجاهدين" الأفغان، وما أدراكم ما كان يعنيه "الجهاد الأفغاني" لمن هم مثلي، من شباب الإخوان المسلمين وغيرهم من أبناء الحركة الإسلامية (عموما) في تلك الحقبة!.. لقد جعلنا الشيخ الشهيد الدكتور عبد الله عزام (طيب الله ثراه) نتوق لنيل شرف الجهاد، ونحلم بالشهادة، من خلال رواياته المؤثرة عن "كرامات المجاهدين" في كتابه ذائع الصيت "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"..

إلى بيشاور

لم أفكر ولو لثانية واحدة في عرض "أبو بلال"، فأجبته (من فوري) بالموافقة، ثم شرعت في إجراءات السفر التي تمت تحت رعاية "نقابة أطباء مصر"، فقد كانت نقابة الأطباء تُعنى (في ذلك الوقت) بتوفير كل ما يمكن توفيره للمجاهدين الأفغان (أموال، مؤن، أدوية، ملابس، أغطية.. إلخ)، فضلا عن توفير الكوادر البشرية من الأطباء وغيرهم من الكفاءات..

حطت بي الطائرة في "كراتشي" الباكستانية، ومنها ارتحلت على متن أخرى إلى "بيشاور"، عاصمة إقليم "سرحد" المتاخم للحدود الأفغانية، وهناك ألفيت عددا كبيرا من الشباب العربي أمام المطار، فتوجهت إلى أحدهم ليدلني على "لجنة الدعوة"، فطلب مشكورا إلى سائق "ريكشا" (هي نفسها التوكتوك المنتشر في مصر حاليا) أن يقلّني إلى "أرباب روود" حيث مقر اللجنة، وهي مؤسسة كويتية قدمت الكثير الكثير من دعم أهل الكويت إلى المجاهدين الأفغان.. وهناك التقيت سكرتير اللجنة الذي أخبرني بأن "أبو بلال" على سفر، وكلف أحد الشباب الأفغان باصطحابي إلى "بيت الضيافة" الذي كان الأخ الأستاذ "ع. ن" مسؤولا عنه.

مكثت نحو أسبوعين في بيت الضيافة، حتى جاء شاب أفغاني فاصطحبني للقاء عبد رب الرسول سياف، الذي أجلسني إلى جانبه في السيارة، وتوجهنا إلى قرية "بابي" التي كانت تجمعا ضخما للاجئين الأفغان في باكستان، وكان بيت سياف هناك.. خلال الطريق، بدأ سياف في توجيه الأسئلة التي لم تخل من "القفشات المصرية" والإسقاطات الذكية، كونه درس في الأزهر.. وكأنه كان يختبرني!.. في اللغة والسياسة والدين و.. و..

بعد إقامتي نحو أسبوعين في مضافته في "بابي"، اصطحبني سياف إلى العاصمة "إسلام أباد"، وكرر ما فعله في الطريق إلى "بابي"، وعلى ما يبدو أني نجحت في الاختبار!.. بعد بضعة أيام، عدنا من "إسلام أباد" إلى "بيشاور"، وهناك توجهت مع شاب أفغاني إلى مقر مجلة "البنيان المرصوص" الكائن في "أرباب روود".. وسألت عن الأخ الإعلامي، فقيل لي: إنه لم يمكث طويلا، بسبب خلاف مع مسؤول التحرير الأخ الأستاذ "م. ش"، وهذا مكتبك، ويمكنك أن تبدأ عملك من الآن..

بعد بضعة شهور من عملي في "البنيان المرصوص"، زارني (ذات مساء صيفي خانق) الأخ الأستاذ "ت. غ" فك الله أسره، وأبلغني بأن عليّ التوجه (من الغد) إلى مجلة "المجاهدون"؛ لتولي تحريرها، وانصرف!.. وفي الصباح مررت على بيت الضيافة، فوجدت الأخ الأستاذ "ع. ن" فأعلمته بالتكليف الذي وصلني البارحة، فوجدته على علم به، فقلت له: هل لي أن أسأل عن رؤية الإخوان المسلمين تجاه القضية الأفغانية؟.. فأطرق مليّاً إلى الأرض، وأطال النظر في اللا شيء، حتى ظننته قد غاب عن الوعي!

وبينما كنت أهم بمد يدي لأهز كتفه، رفع رأسه وقد كست وجهه ابتسامة باردة وقال: "م تسألش السؤال ده"!.. فقلت له في انزعاج واضح، على إثر هذه الإجابة الصادمة: يا أخ "ع.".. أنا مكلف الآن بإدارة تحرير منبر إعلامي، ومن ثم يجب أن أكون على علم برؤية الإخوان تجاه الشأن الأفغاني، وسياسة تحرير هذا المنبر!.. وتابعت في شيء من الانفعال: أنا سأحرر يا أخ "ع.".. سأحرر! أتعرف معنى أن أكتب رأيا، أو أختار خبرا دون آخر، أو أجيز مقالا وأرفض آخر، أو أضيف كلمة أو سطرا أو فقرة، أو أحذف مثلها، إذا لزم الأمر؟! هذه العملية (يا أخ ع.) محكومة بشيء اسمه "سياسة التحرير" المحكومة (بدورها) بـ"رؤية" الجهة التي تتبنى أي منبر إعلامي، تجاه القضية محل الاهتمام!..

كان (غفر الله لي وله) ينظر إليّ من خلف نظارته السميكة، دون أن تفارق تلك الابتسامة الباردة وجهه المستدير المائل إلى السُّمرة، ودون أن يقاطعني!.. وبعد أن انتهيت من كلامي، ربت على كتفي، واستأذنني في الانصراف بحجة أنه "مشغول"!

ولادة العقل النقدي

ذهبت إلى مكتبي في "المجاهدون"، وبقيت أستعيد تفاصيل هذا الحوار العجيب طوال اليوم؛ بحثا عن تفسير لهذه الإجابة الصادمة التي لم أتوقعها!.. إذا كان الأخ (المسؤول) لا يعلم، فلِمَ لم يقل لا أعلم؟! وإذا كان يعلم، فلِمَ يُخفي عني الإجابة؟! وإذا أخفاها عن مسؤول تحرير منبر إعلامي، فمن هو الجدير بأن يكون على علم بها؟! أم أن سؤالي كان مفاجئا، ولم يجد له إجابة؟! أم أنه لا إجابة له من الأساس، وفضّل أن يتصرف بهذه الطريقة التي ظن أنها ستخفي، أو تحجب، أو تطمس هذا القصور الفاقع؟!

إذن لا رؤية، ولا سياسة تحرير، وعليّ أن أضع لنفسي الرؤية وسياسة التحرير، ولم يكن الأمر صعبا، فالقضية الأفغانية قضية عادلة، وقد ألممت بأبعادها خلال عملي في "البنيان المرصوص"، ولديّ فهمي لدعوة الإخوان المسلمين، وأهدافها وغايتها التي فصّل فيها (دون إطناب) الإمام البنا (رحمه الله).

وقد كان البروفيسور برهان الدين رباني (الرئيس الأفغاني لاحقا، رحمه الله) رئيسا لـ"جمعيت إسلامي أفغانستان"، التي كانت تمثل الإخوان المسلمين الأفغان قبل الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، والتي تصدر عنها مجلة "الجهاد"، ومن ثم فلن يكون هناك خلاف يُذكر حول المادة التي أحررها، وإن وقع خلاف فالرأي النهائي سيكون لرئيس تحرير المجلة (الشرفي) الأخ الأستاذ عنايت الله خليل (سفير أفغانستان في السودان لاحقا)، وقد كان يجيد العربية.. وباشرت عملي متوكلا على الله..

كانت "بيشاور" محَجَّا لقيادات الإخوان المسلمين من كل الجنسيات، تأتي للوقوف على أحوال المجاهدين، أو للإصلاح والتوفيق بينهم، وما أكثر خلافاتهم!.. فضلا عن لقاء "الأنصار العرب" أو "الأفغان العرب" كما سماهم الإعلام السلطوي العربي لاحقا، إلى جانب إلقاء المحاضرات، وزيارة الجبهات الأفغانية القريبة من "بيشاور"، وتوصيل المساعدات التي جمعتها من بلدانها.. وكلما حضرت مزيدا من هذه اللقاءات زادت قناعتي بأن أداء جماعة الإخوان المسلمين في واد، وأفكار حسن البنا في واد آخر! فالفرق هائل بين ما قرأت وما أسمع وأرى، وخلصت إلى أن هؤلاء القادة (الذين أكُن لهم كل تقدير واحترام) انشغلوا بإدارة "الشؤون الروتينية" لهذه المؤسسة العالمية الضخمة، الآخذة في التوسع والتمدد كل يوم على حساب "الشؤون الاستراتيجية"؛ ألا وهي إنجاز الأهداف الكلية والغاية النهائية!

منذ ذلك التاريخ، أي منذ عام 1988، وُلد بداخلي "عقل نقدي" لا يسمح بتمرير أي "أمر" أو تكليف من القيادة إلا وفكرت فيه مليّاً، فإذا اطمأن له قلبي أنفذته ولا أبالي، مهما كانت العاقبة، وإذا لم يتقبله عقلي ولم يطمئن له قلبي، فلا ألقي له بالا، ولا أكترث لانزعاج "الأخ المسؤول"؛ ذلك، لأنني سأقف أمام الله فردا، ولن يجادل عني هذا "الأخ المسؤول" ولا غيره!..

وأشهد أن الإخوة "المسؤولين" تقبلوا مني هذا الأداء، ولم أتعرض (مطلقا) للمساءلة أو التأديب، لكن الأمر لم يخل (أحيانا) من اللوم أو العتاب الذي لم أشعر (البتة) أنه ينطوي على أي إهانة أو توبيخ.. في المقابل، كان هذا الأداء مستهجنا من قِبَل "الإخوة" الذين لديهم اعتقاد راسخ بأن "إخواننا اللي فوق" قتلوا كل الأمور بحثا، وقلّبوا وجوهها كافه، وانتهوا إلى الرأي "الأصوب"، ومن ثم فليس على "الأخ" سوى التنفيذ دون مناقشة؛ لأن المناقشة إضاعة للوقت في جدل لا طائل منه، حول موضوع قُتِل بحثا!

تلكم القناعة التي سيطرت على عقول قيادات كثيرة فصبغت أداءها بثقة زائفة، وصلت إلى حد الغرور، الأمر الذي أوصل جماعة الإخوان المسلمين إلى ما وصلت إليه اليوم من وهن وتصدع!.. وبدلا من القيام بمراجعات جادة لإنقاذ الجماعة (ولا أقول الفكرة)، نجد ألسنة حِدادا تنهش (دون أي اعتبار لـرابطة الأخوّة) في شخصية وسمعة كل من يحاول المراجعة، بعرض شيء من تجربته داخل الإخوان بموضوعية وشفافية، وبلغة خالية من القدح والتجريح، بحجة أن الجماعة تمر بمحنة، وأن ما يُنشر من "مثالب الأداء" سيتم توظيفه ضد الجماعة من جانب أعدائها!

كلمتي للسدنة الأعزاء

أيها الأعزاء!.. فكرة "الردم على المثالب والأخطاء" و"الهروب من المراجعة" ليست جديدة! حتى في تلك الأوقات الاستثنائية التي تنفست فيها الجماعة الصعداء، فقد علمت (منذ زمن بعيد) أن عددا من قيادات الإخوان كانت ضد نشر كتاب الفقيد الكبير الأستاذ محمود عبد الحليم "أحداث صنعت التاريخ.. الإخوان المسلمون رؤية من الداخل"، بحجة أن فيه ما يسيء للإخوان، غير أن المرشد العام الأستاذ عمر التلمساني (رحمه الله) أصر على النشر، إذا لم يشكك أحدٌ ممن عاشوا تلك الأحداث في صحتها، وكانوا كُثرا في ذلك الوقت.. ولما لم يشكك أحد في رواية الأستاذ عبد الحليم، نُشر الكتاب في أربعة أجزاء ضخمة، وهذا إنجاز عظيم، كونه تحقق رغم التحفظات والاعتراضات والعلل التي ساقها "الحرس الحديدي"!.. وكان هذا آخر عهد الجماعة بتدوين تاريخها!

أيها الأعزاء!.. الشمس لا يخفيها غربال، وشانئو الإخوان لن يكفّوا عن التشهير بالإخوان، بمناسبة ومن دون مناسبة. والمراجعات الموضوعية لا يقوم بها إلا الواثق الشجاع، وهي أول طريق الإصلاح والترميم بل والتجديد، فدعوا "الإخوة" يناقشوا ويسألوا، بل ويحاسبوا، وعليكم أن تتوقفوا عن استنساخ نموذج "ع. ن" الذي يجب تحييده وإبعاده عن أي موقع قيادي، ويكفيه شرفا موقع "الجندي" في الدعوة الذي يجب أن يقبل به، إذا كان صادقا في انتمائه وبيعته.

رابط المقال على عربي 21

نُشِر في 09 نوفمبر 2021

الإخوان المسلمون المسؤولية العقل النقدي الأهلية التحرير الصحفي