من القلب إلى الشباب
الخط
شارك

من القلب إلى الشباب

2022/01/25
عدد الزيارات

العمل التنظيمي ضرورة سياسية وشرعية، تشتد الحاجة إليها في غياب الحكم الرشيد!.. فهذا النمط من الحكم الذي تتوق له الأمة منذ مئات السنين، لن يتحقق من تلقاء نفسه، ولن يقيمه آحاد الناس مهما كانت قدراتهم ومؤهلاتهم.. لذا، فإنه لا بد من العمل "التنظيمي"، رغم سلبياته التي يعرفها جيدا كل من انخرط في عمل "منظم"!.. ويأتي في مقدمة هذه السلبيات، ذلك "السقف" الذي لا يمكن للعضو تجاوزه؛ لأن تجاوزه يعني مفارقة التنظيم عاجلا أو آجلا، متبوعة بآثار سلبية، وندوب نفسية تستعصي على البرء حتى وإن طال الأمد!

فالفرد المبدع مثلا، سقفه "النواهي والشبهات" في شريعته إذا كان مؤمنا، وليس سقف التنظيم الذي يعلو ويهبط، ويتمدد وينكمش حسب طبيعة البيئة السياسية التي يعمل فيها التنظيم الذي ينتمي إليه.. أما المبدع غير المؤمن، فلا سقف له، ولا حدود.. وأما الشخص المندفع أو النزق أو المتمرد أو المِزاجي، أو صاحب الأنا المتضخمة، مؤمنا كان أو غير مؤمن، فلا يصلح (من الأساس) أن يكون "جنديا" أو "نفرا" في تنظيم..

لذا، فإن ثمة مسؤولية تقع على عاتق التنظيم، وتحديدا على أولئك الأشخاص المعنيين بـ"التجنيد" الذين لا يهمهم عادة (للأسف) سوى "عدد الرؤوس" التي يضمونها إلى التنظيم!.. فكثرة العدد تعني الكثير الكثير في المواقف التي تتطلب حشدا، وما أكثرها في بلادنا، فضلا عن العائد المادي الضخم الذي تؤمنه "الاشتراكات الشهرية" التي يسددها الأعضاء (الرؤوس) للتنظيم، وهي نسبة مئوية من إجمالي دخل كل عضو.. يحدث ذلك، دون النظر إلى العواقب التي كثيرا ما تكون وخيمة، على التنظيم والعضو معا.

ثمة مسؤولية تقع على عاتق التنظيم، وتحديدا على أولئك الأشخاص المعنيين بـ"التجنيد" الذين لا يهمهم عادة (للأسف) سوى "عدد الرؤوس" التي يضمونها إلى التنظيم!.. فكثرة العدد تعني الكثير الكثير في المواقف التي تتطلب حشدا

نصحت أخي بعدم الانضمام للإخوان المسلمين

أخي هذا (رحمه الله) يكبرني بعشر سنين، وللمفارقة، فقد كان هو أول من عرّفني بالإخوان المسلمين، عن غير قصد منه، من خلال مجلة "الدعوة" التي كان يحرص على اقتنائها بانتظام، بعد أن استأنف الإخوان إصدارها، إبان خروجهم من سجون عبد الناصر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفق اتفاق (حسبما أعتقد) لم يُفصَح عن تفاصيله، حتى يوم الناس هذا، بين الإخوان المسلمين والرئيس الراحل أنوار السادات!

كنت وقتذاك في المرحلة الثانوية.. استهوتني المجلة وأثارت فضولي واهتمامي، لا سيما تلك المواضيع التي تناولت مظلومية الإخوان، وما نزل بهم من بأس شديد على يد عبد الناصر وزبانيته!.. المحاكمات.. الإعدامات.. التعذيب.. الإذلال.. التطاول على الذات الإلهية.. إهانة المقدسات.. الصبر.. الصمود.. فتعلق قلبي بالإخوان المسلمين..

لم تمض ثلاث سنوات (وقد أصبحت طالبا جامعيا) حتى أمسيت عضوا في الإخوان المسلمين، وتحديدا في عام 1981، ذلك العام الذي حللت في تشرين الأول/ أكتوبر منه سجينا سياسيا على سجن "أبو زعبل"، على إثر اغتيال السادات، أثناء احتفاله بنصر أكتوبر.. مكثت عاما في هذا السجن، كان له أثره الإيجابي في شخصيتي، وتكويني الفكري، رغم الأوضاع غير الآدمية التي كنا نعيشها ونعاني منها.

نقفز معا (عزيزي القارئ) إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعد عودتي الأولى من باكستان.. حيث كنت في زيارة عائلية.. في الأثناء، ودون مقدمات، قال لي أخي (رحمه الله): عايز أنضم للإخوان المسلمين!.. ورغم أن الطلب كان مباغتا، إلا أنني أجبته من فوري، بكل صدق وأريحية: سماتك الشخصية (يا أبا محمد) لا تتواءم مع أعراف الإخوان التنظيمية، لا سيما تلك التي تتعلق بـ"السمع والطاعة في المنشط والمكره".. فأنت شخص تستنكف عن تلقي "الأوامر"، والجندية هي الأساس في التنظيم!

تأثر أخي من ردي، وبدا عليه الحزن، وقال إنه لم يكن ينتظر مني هذا الرد، بل كان يجب عليّ أن أفرح وأسارع لتلبية طلبه، الأمر الذي كان يمكن أن يتم في اليوم ذاته، إذ قمنا بزيارة الأستاذ "ع. ل" في طنطا حيث يقيم أخي أيضا.. قلت لأخي في رفق: اعلم (أخي) أنك تملك من العاطفة تجاه الإخوان ما يغبطك عليه كل الإخوان، واعلم أن لديك من الاستعداد لخدمة الإخوان ومساعدتهم أكثر من كثير من الإخوان، وهذه العلاقة (غير التنظيمية) خير لك وللإخوان على السواء.. وأحسب أنه اقتنع.. وظل (رحمه الله) مؤيدا للإخوان، حتى غادر دنيانا الفانية، منذ بضع وعشرين سنة، قبل أن يكمل عقده الخامس.

لا تتردد في أن تكون "تنظيميا" بشرط!

القائد العظيم الفذ، هو ذلك القائد الذي يرى في كل جندي متميز من جنوده "مشروع قائد"، جدير بمنافسته وخلافته.. والقائد البائس الجهول هو الذي يرى في كل "ذي رأي" من جنوده تهديدا محتملا له!.. والجندي المخلص لفكرته وتنظيمه هو الذي لا يتردد في لفت انتباه القيادة إلى ما يظنه خللا، ولا يبخل باقتراح ما يراه مهمّاً.. وأما الجندي "النفر" فهو ذلك السعيد بوجوده في تنظيم، يشعر فيه بأنه ذو شأن، لا يفكر، ولا يقترح، ولا يقدم، ولا يؤخر، ولا يجيد غير تنفيذ الأوامر دونما أدنى اجتهاد، حتى حين يتطلب الأمر بعض الاجتهاد!

القائد العظيم الفذ، هو ذلك القائد الذي يرى في كل جندي متميز من جنوده "مشروع قائد"، جدير بمنافسته وخلافته.. والقائد البائس الجهول هو الذي يرى في كل "ذي رأي" من جنوده تهديدا محتملا له!.. والجندي المخلص لفكرته وتنظيمه هو الذي لا يتردد في لفت انتباه القيادة إلى ما يظنه خللا، ولا يبخل باقتراح ما يراه مهمّاً.. وأما الجندي "النفر" فهو ذلك السعيد بوجوده في تنظيم، يشعر فيه بأنه ذو شأن، لا يفكر، ولا يقترح،

ومن خلال مشواري الطويل، أجزم بندرة الصنف الأول من القادة والجنود، وكثرة الصنف الثاني من كلتا الفئتين.. وللأسف، تخسر التنظيمات كثيرا بتفريطها في الصنف الممتاز من جنودها، وهذا هو حال الإخوان المسلمين اليوم!.. ففي غضون السنوات الثماني المنصرمة، فارق تنظيم الإخوان عدد غير قليل من ذلك الصنف الممتاز، بصور مختلفة، فهناك من فُصِل، وهناك من جمّد نفسه، وهناك من فارق التنظيم بقرار منفرد، و.. و..

لكن الاستثناء حاضرٌ دائما وأبدا.. وفي هذا المقام، يحضرني مثالان للاستثناء: الشهيد الدكتور عصام العريان (رحمه الله)، والدكتور محمد البلتاجي، فك الله أسره، وكلاهما كان نائبا في آخر برلمان مصري منتخب انتخابا حقيقيا، دون شبهة تزوير.. هاتان الشخصيتان لاقتا من عنت قيادة الإخوان (على مدى سنوات) ما يشيب له الولدان، ومع ذلك، لم يتبرم أي منهما، ولم ينسحب، وظل متشبثا بشعرة معاوية، عاضّاً عليها بنواجذه.. ورغم معاناته وما يصاحبها من حزن وأسف وألم، فقد أدى كل منهما دوره "التنظيمي" بإخلاص وتفانٍ واقتدار، وبذل فوق طاقته، وجاهد قيادته (المتعنتة تجاهه) جهادا شديدا منضبطا أشد الانضباط!

فإذا كنت تتمتع عزيزي الشاب، بمثل سجايا ومؤهلات العريان والبلتاجي، فاعلم أن أي كيان ترى فيه تجسيدا لأفكارك وآمالك أحوج ما يكون إليك، اليوم وغدا.. فإذا سألتني عن سجايا ومؤهلات هذين الفرقدين، أجبتك: دماثة الخلق، والنبل، والإخلاص للفكرة والمبدأ، واحترام المخالف، والذكاء الحاد، والثبات الانفعالي، والحزم، والشجاعة، والإقدام وعدم التردد، والحركة الدؤوبة، والمبادرة، ومنح الفرص للغير، زالترفع عن الصغائر، وفوق كل ذلك، التفوق العلمي..

وإذا كنت لا تطمع في جاه أو قيادة أو عرض دنيوي، ولا تسعى إلى شهرة، أو تعويض نقص لديك، ولا تروم غير خدمة عقيدتك أو فكرتك، بغض النظر عن موقعك في التنظيم، فنعم الجندي أنت، بك تنتصر الفكرة، وينهض الوطن والأمة..

أما إذا كنت لا تتمتع بهذه السجايا وتلك المؤهلات، فأنصحك بأن تظل "محبا" و"مؤيدا" من خارج الأطر التنظيمية، تبذل ما بوسعك لخدمة هذا الكيان أو ذاك، بل وأي عدد من الكيانات التي تتقاطع مع بعض أفكارك الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية وغيرها.. فهذا أجدى وأنفع لهذه التنظيمات.. فلا صدام، ولا خصام، ولا محاسبة، ولا إبعاد، ولا تهميش، ولا تجميد، بل العكس هو ما سيكون؛ ستجد نفسك محل اهتمام وترحيب وتكريم، وستتلقى الشكر والثناء على أقل دعم تقدمه، حتى وإن كنت لا تنتظر شيئا من ذلك.

رابط المقال على عربي 21

نُشِر في 07 ديسمبر 2021

الشباب العالم العرب القيادة الانتماء التحزب الجندي